اسماعيل بن محمد القونوي
463
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
على وجه المطابقة لمقتضى الحال متحققة في فصحاء عدنان وبلغاء قحطان على وجه الكمال « 1 » كما أشار إليه المصنف هنا وفي الديباجة فلما عجزوا عن ذلك فعجز غيرهم يعلم بطريق الأولوية على أن قوله تعالى : وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] متضمن للإخبار بأنهم لا يأتون به في كل زمان من الأزمنة الآتية بقرينة قوله تعالى : لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [ الإسراء : 88 ] الآية لا لأن لن للتأييد وأيضا أن العجز كان ثابتا لمن تحدى به من بلغاء عصره ولذلك لم يعارض وغيرهم « 2 » عم عن ذلك لقصوره في صناعة البلاغة والتمييز بين مراتبها فلا اعتداد به ولا يضره في ذلك لثبوت الإعجاز بمجرد أولئك الأعلام كذا في شرح المواقف نظيره ثبوت العجز لسحرة فرعون حين صارت العصا ثعبانا فثبت كونه معجزة وكذا اليد البيضاء فكما لا مساغ لأن يقال لا يثبت كونه معجزة بعجز قوم مخصوصين بل ثبوت ذلك بعد انقراضهم كذلك لا مساغ هنا وبالجملة إيراد مثل هذه الشبهة يؤدي إلى الفتنة العظيمة والتحدي مستفاد من قوله تعالى : فَأْتُوا بِسُورَةٍ [ البقرة : 23 ] والتحريض على الجد الخ من قوله تعالى : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ [ البقرة : 23 ] بالتقريع متعلق بالتحريض والتقريع اللوم الشديد والتقريع والوعيد من قوله تعالى : فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي [ البقرة : 24 ] الآية وكون السورة اقصر لأنها أقل سورة والتحدي بها أبلغ في دفع الخصم المعاند إذ ربما يمكن أن يقال إن العجز لكون السورة طويلة ولأنها أقل ما يصدق عليه فيحمل عليه قوله ثم إنهم مع كثرتهم الخ دفع ما يقال إن عجز طائفة مخصوصة من المعارضة لا يدل على إعجازه فأشار إلى دفعه بقوله ثم إنهم مع كثرتهم الخ فلما عجزوا عن ذلك علم عادة أنه معجوز عنه أبد الدهر إذ لا يتصور زيادة على ما كانوا عليه من العدد والعدد كذا قيل وقد مر التفصيل بما لا مزيد عليه والمهج بضم الميم وفتح الهاء جمع مهجة بمعنى الروح . قوله : ( والثاني أنهما يتضمنان الاخبار عن الغيب على ما هو به ) والاخبار عن الغيب مستفاد من قوله : وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] ولا يلزم من تضمنهما ذلك تضمن كل قوله : والثاني أنهما يتضمنان الإخبار بالغيب أقول نعم قوله عز وجل : وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] إخبار بالغيب على ما هو به لكن كونه معجزة دالة على نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم إنما يتم بعد ما مضى عليهم الدهور المتطاولة إلى انقراض نسلهم مجتهدين نسلا بعد نسل في ذلك الزمان الطويل فظهر عجزهم فيه عن الإتيان بمثل القرآن إذ عند ذلك يظهر أن قوله : وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] إخبار بالغيب على ما هو فكونه معجزة يثبت بها النبوة ليس حال الاخبار به ولا بعده بزمان قصير فكونه من دلائل المعجزة ليس بالنسبة إلى المخاطبين الموجودين وقت الخطاب به .
--> ( 1 ) نقله غنى زاده عن ابن كمال حتى قيل لم يكن أحد مثلهم سلفا وخلفا وفي المواقف أن المعجزة تظهر في كل زمان من جنس ما يغلب على أهله ويبلغون فيها غاية القصوى كالسحر في زمن موسى عليه السّلام والطب في زمن عيسى عليه السّلام والبلاغة قد بلغت في عهد رسول اللّه عليه السّلام إلى الدرجة العلياء انتهى ملخصا فاتضح القول بأن عجز غيرهم يعلم بطريق الأولوية وبدلالة النص . ( 2 ) لعله غم بمعنى المحجوب ا ه مصححه .